تواصــــل

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
21/12/2008 06:00 AM
GMT



 نطت السكرتيرة الجديدة فزعة من مقعدها مخفية صحيفة الحزب الشيوعي العراقي تحت الصحف الاخرى كيفما اتفق، حالما فتح مساعد المدير العام عبد الرحمن المسعودي باب الغرفة ليدلف عبرها الى مكتبه. فقد فاتها ان تلمح خياله الضخم الذي حجب الضوء الخافت الذي يمر عبر الزجاج المضبب، ثم بادرته التحية. أما هو، فلم يفته ارتباكها وحركتها الخرقاء، وتطلع اليها ثم الى يدها التي مازالت مضمومة على المنضدة ، هازا رأسه، وولج مكتبه صامتا، كابحا جماح رغبته في ان يرد على تحيتها أو ان يبتسم فحسب لوجه جميل كهذا.
كانت لديه اعتباراته الخاصة في معاملة الآخرين، وبالاخص الغرباء منهم، ويسره حقا ان يرى الارتباك وحتى الخوف في عيونهم. وشرع الرضى عن نفسه يزداد يوماٍ بعد آخر.
تمتمت حانقة مع نفسها وهي تتطلع إلى ظهره العريض الذي اختفى خلف الباب الداخلي:( حيوان). وشعرت بالخجل والغيظ من اضطرابها. وبعد ان جلست همّت بترتيب الكتب الرسمية، واضعة اياها في الغلاف الجلدي الاخضرالمخصص لها، ثم رتبت الصحف اليومية. وعلى الرغم من غضبها، لم تشأ ان تضع الصحيفة التي كانت تقرأها فوق الصحف الأخرى خوفا من أن يستفزه ذلك. وفكرت، انها المرة الثانية التي يفاجئها متلبسة بقراءة الصحيفة ذاتها. وقالت لنفسها بحنق:
- وما الضير في ذلك... ألا يحق لي ان اقرأ أي صحيفة شئت؟
أخرج السيد عبد الرحمن مسدسه من حقيبة ( السمسونايت ) ووضعه بالدرج الأول على يمينه، وانسلّت نظراته على مكتبه حيث اجهزة الهاتف الثلاثة والسلة البلاستيكية الانيقة للكتب الرسمية، ماسحا جبهته براحة يده العريضة ومتطلعا نحو ساعته التي تشير الى التاسعة، وقبل ان يفكر بما سيفعله، تمطى على كرسيه وأحس انه لم يشبع نوما. كان يعرف انها ستطرق الباب لتدخل عليه حاملة بريد اليوم والصحف الصباحية، ويعرف ايضا انها ستقف امامه عبر منضدته الفارهة تتطلع نحو نقطة ما من مكتبه الانيق وعدا ذلك فقد عرف عنها اشياء جمة.
دلفت السكرتيرة بعد ان طرقت الباب حاملة بريد اليوم والصحف. وكالمعتاد وقفت امامه عبر المنضدة في انتظار ايعازاته الصباحية.
تطلع اليها واحست بنظراته تدرسها عن كثب، وكان لا يزال على جلسته السابقة، مشيرا اليها ان تجلس ريثما ينتهي من بريد اليوم خلافا لعادته. جلست السكرتيرة باحساس كما لو انها قد توقعت مثل هذه الدعوة، لكنها احست بشيء من العزم والترقب، فقد حسم شيء ما في داخلها قبل دقائق معدودة. وسرعان ما فتشت ببصرها عن شيء تثبت نظراتها عليه.
لامست اصابعه السمراء الغليظة صحف اليوم وتطلع نحو المانشيت الاسود العريض لجريدة الثورة ( الذكرى الخامسة عشرة لعروس الثورات ) . ثم تطلع نحو المانشيت الاحمر للصحيفة الأخرى ونحو الكتب الرسمية، ومرربصره عليها فحسب.
في البدء كان يقرأ الكتب الرسمية بتمعن، ويحاول ان يجهد فكره بالرد عليها. ومع مرور الوقت تيقن انه جهد ضائع، وتعلم ان ينظر في موضوع الطلب فحسب، وعندئذ يقرر ما سيكون عليه الرد. ولطمت خياشيمه رائحة العطر. ونظر من تحت اهدابه بغفلة نحو التي تجلس بعيدا، جميلة ومحدقة بالبساط الجلدي المدور دون ان تنتبه اليه كما تخيل، مثبتا نظراته في ساقيها الملمومتين باحتشام وتطلع نحوها ثم نظر الى جانب من وجهها ذي البشرة الناعمة المشربة بالحمرة.
" اللعنة عليك يا ماجد" . قالها لنفسه متذكرا هوس صديقه ماجد عندما رآها لأول مرة في مكتبه، وآنذاك قال له صديقه بلهجة شبه داعرة :
- لك داد وفرها لي، انها تحفة.
- اغسل ايدك.
- لك هذه عشيقة تحفة.. وربما عروسة.. عروسة.. عروسة الثورات .
تطلع نحو المانشيت العريض لجريدة الثورة وتطلع نحو السكرتيرة بتمعن أكبر. أين رأى مثل هذا الوجه والبشرة المشربة بالحمرة، والجلسة الجانبية، وهذه الاطراقة! كان ينظر خلال ثقب في الباب، وكانت الاخرى تجلس في الزاوية وحيدة وخائفة. وفي الشارع كان يطلق الرصاص. وحينما عروها بقسوة، بقي معها وحيدا، ولأول مرة في حياته كان يواجه جسدا عاريا ليس لبغي، واقفة في زاوية الغرفة تحاول ان تلم نفسها، وكان المصباح يلقي ضوءا متعثرا على جسدها العاري، وعلى الارض انتشرت مزق من اثوابها. وتناهى إلى سمعهم اصوات اطلاقات نارية متقطعة.
كان يحدق بها مبتسما ببلاهة، تتقافز نظراته على اجزاء من جسدها المكشوف امامه، طاردا شعور الرهبة من رأسه، وقد التم الجسد العاري للمرأة على نفسه أكثر تحت سياط نظراته، ملتصقة بزاوية الغرفة بوجع.
-  لا تعترفين.. ها؟ . قالها بصوت متقطع.
- ليس عندي ما أقوله.
واخترقت صرخة نسائية حادة جدران الغرفة المجاورة، وأشار عبد الرحمن بعرض يده نحو الحائط المجاور:( سمعت؟) .
- ستكونين مثلها.. اعترفي بلا متاعب.
- قلت لك ليس عندي ما اقوله .
- سأكون الأول، ومن بعدي كل الآخرين.
- .....
- ها ؟
تقدم بهدوء، واصبح عري الجسد أكثر وضوحا لعينيه المحمرتين، وتسارعت نبضات قلبه واطلق صوتا كالفحيح.
- اعترفي..اعترفي.. اعت...
وتنبه الى الوجه الذي يطالعه. كانت السكرتيرة قد عدلت من جلستها وهي تنظر اليه بتحد .
عاد الى نفسه بسرعة ناظرا اليها باستفهام مشوب بالانفة وبالغضب.
 - تسمح استاذ ان اذهب.
- اين؟
- الى مكاني، وسأعود لأخذ البريد حالما تنتهي منه.
- كلا.
قالها بحسم وخشونة، وشرع بكتابة ملاحظاته على البريد الرسمي وقال فجأة:
- الديك اخت أكبر منك؟
تطلعت اليه باستغراب، ومرت لحظة قبل ان تجيب .
- كلا أني أكبر أخواتي.
وهز رأسه، وقبل ان تدلف الى غرفتها تطلع نحو ظهرها الرشيق وتنهد مبتسما لفكرة خطرت له.